صديق الحسيني القنوجي البخاري

432

فتح البيان في مقاصد القرآن

بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا هذا إضراب عن كلام مقدر يدل عليه السياق وينساق إليه الكلام أي أنتم لا تفعلون ذلك بل تؤثرون اللذات الفانية العاجلة الكائنة في الدنيا على الدار الآخرة الآجلة الباقية فلا تفعلون ما به تفلحون . قرأ الجمهور بالفوقية على الخطاب للكفار فقط أو لمطلق الناس ، ويؤيدها قراءة أبيّ بل أنتم تؤثرون وقرىء بالتحتية على الغيبة وعلى هذا يكون الضمير راجعا للأشقى ، قيل والمراد بالآية الكفرة والمراد بالإيثار للحياة الدنيا هو الرضا بها والاطمئنان إليها والإعراض عن الآخرة بالكلية . وقيل المراد بها جميع الناس من مؤمن وكافر ، والمراد بإيثارها هو أعم من ذلك مما لا يخلو عنه غالب الناس من إيثار جانب الدنيا على الآخرة ، والتوجه إلى تحصيل منافعها والاهتمام بها اهتماما زائدا على اهتمامه بالطاعات . وعن عرفجة الثقفي قال استقرأت ابن مسعود سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى فلما بلغ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا ترك القراءة وأقبل على أصحابه فقال آثرنا الدنيا على الآخرة فسكت القوم فقال آثرنا الدنيا لأن رأينا زينتها ونساءها وطعامها وشرابها ، وزويت عنا الآخرة ، فاخترنا هذا العاجل وتركنا الآجل ، وقال : بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بالياء . قال عجرفة عند ابن مسعود فقرأ هذه الآية فقال لنا أتدرون لم آثرنا الحياة الدنيا على الآخرة قلنا لا ، قال لأن الدنيا أحضرت وعجل لنا طعامها وشرابها ونساءها ولذاتها وبهجتها ، وأن الآخرة تغيبت وزويت عنا فأصبنا العاجل وتركنا الآجل . وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى أي والحال أن الدار الآخرة التي هي الجنة أفضل وأدوم من الدنيا ، لأنها تشتمل على السعادة الجسمانية والروحانية ، والدنيا ليست كذلك ، ولأن الدنيا لذاتها مخلوقة بالآلام ، والآخرة ليست كذلك ، ولأن الدنيا فانية والآخرة باقية ، والباقي خير من الفاني . قال مالك بن دينار : لو كانت الدنيا من ذهب يفنى ، والآخرة من خزف يبقى لكان الواجب أن يؤثر خزف يبقى على ذهب يفنى ، فكيف والآخرة من ذهب يبقى ، والدنيا من خزف يفنى . إِنَّ هذا أي ما تقدم من فلاح من تزكى وما بعده ، وقيل إنه إشارة إلى جميع السورة لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى أي ثابت فيها قال النسفي وهو دليل على جواز قراءة القرآن بالفارسية في الصلاة ، لأنه جعله مذكورا في تلك الصحف مع أنه لم يكن فيها بهذا النظم وبهذه اللغة انتهى . قال الخطيب : لم يرد تعالى أن هذه الألفاظ بعينها في تلك الصحف بل معناه أن